
قراءة تأملية في سورة يوسف (21) : يوسف وزيرا للمالية المصرية
صالح الصادق سلطان الرشيدى
ــ عاد الساقي إلى الملك بتفسير الرؤيا، فأعجب الملك بيوسف، وفرح بتفسيره، وتشوّق لرؤيته؛ فهو خير من كل مفسري الرؤى في مصر، لكن القرآن لم يقص علينا ذلك، وإنما نستنبطه من أمر الملك بإحضار يوسف {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ}، حيث أصدر عفوا ملكيا عنه، فكيف استقبل يوسف العفو الملكي؟ وعلام بنى قراره؟
لما ذهب الساقي إلى يوسف لإحضاره لم يستجب له واشترط! تخيّل إنسانا سجينا يرفض عفوا ملكيا ويرفض دعوة الملك له ويضع شرطا لقبول العفو والدعوة! اشترط إظهار براءته من امرأة العزيز، فقال للساقي: {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، وموقفه هذا لافت للنظر، فهو مسجون ظلما، ومع ذلك يفسر رؤيا دون مقابل، ويرفض عفوا ملكيا ودعوة ملكية، وقد لفت ذلك نظر النبي ، فقال: “لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي” سبحان الله!
لكن من يتأمل تصرّف يوسف هذا يجده تصرفا صائبا؛ لأنه نبي رسول، مهمته الأساسية دعوة القوم إلى عبادة الله، فكيف يدعوهم وهو في نظرهم مقترف ذنبا مع امرأة العزيز، فكان إثبات براءته وطهارته ونزاهته أمام الملك والوزير والمصريين جميعا أهـم كثيرا من رفع الظلم عنه بإخراجه من السجن! ولو خرج يوسف قبل أن يعلم الملك حقيقة أمره لبقي في نفس العزيز شيء منه، ولاسيما أن زوجته أقنعته بجُرم يوسف فسجنه، وروي مثل ذلك عن ابن عباس.
هذا الموقف النبيل الفريد من يوسف قابله موقف مماثل من الملك، فلم يغضب منه لعصيانه الأمر، بل استجاب لطلبه، فأمر بإحضار النسوة، وحضرت معهن امرأة العزيز، و{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ}، وهذا السؤال يشير إلى أمرين: الأول أن الملك يدرك أهمية الموضوع؛ لأن الخطْب هو الأمر الجلل العظيم ، والثاني أنه كشف عن فلسفة دعاء يوسف {رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن}، فهناك لم يفصح القرآن عن مراودة النسوة يوسف عن نفسه، بل أشار إلى أن امرأة العزيز فحسْب هي التي دعته؛ مما يدعو المرء إلى التفكير: لماذا شمل يوسف كل النسوة في الدعاء؟ فبيّن القرآن هنا أن النسوة كلهنّ راودن يوسف، وهذا الأسلوب يدعو إلى النظرة الشمولية للخطاب القرآني، فالقرآن كله خطاب واحد، لا ينبغي أن تُفسر آية بمعزل عن الآيات الأخرى ذات الصلة، والسؤال: بـمَ أجاب النسوة عن سؤال الملك؟ للحديث بقية ب/صالح سلطان






